الشيخ المنتظري

796

دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية

صورة المواجهة والتهاجم وإِعدادهم القوى لذلك أو نقضهم العهود مرّة بعد مرّة ، كما صنع بنو قريظة ويهود المدينة . ومورد العفو والرحمة صورة الانتصار والتسلّط عليهم والأمن من هجومهم وتوطئتهم ، كما لا يخفى على أهله . وفي الغرر والدرر : " جمال السياسة العدل في الإمرة ، والعفو مع القدرة . " ( 1 ) وفيه أيضاً : " ظفر الكرام عفو وإِحسان . ظفر اللئام تجبّر وطغيان . " ( 2 ) هذا . أقول : ويمكن أن يستفاد من أمثال هذه الوقائع ، وكذا من قصّة عفو أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لأصحاب الجمل ، بعدما ظفر عليهم وفيهم الرؤساء كمروان وعبد اللّه بن الزبير وأمثالهما وفي رأسهم أمّ المؤمنين عائشة مع ما سبّبوا لقتل كثير من المسلمين ، أنّه في موارد الحرب وقتال جيش ضدّ جيش وانتصار أحدهما على الآخر تكون رعاية المصالح العامّة أولى وأقدم من رعاية الحقوق الشخصيّة الفرديّة ، وأمر الانتقام والعفو فيها إِلى الإمام ، وحكم القصاص والتغريم المالي بلحاظ الحقوق الفردية إِنّما يجريان في الموارد الشخصيّة الحادثة في خلال المجتمع لا في هذه الموارد العامّة التي يظفر فيها نظام على نظام ، بل لعلّ الدليل عليهما منصرف عن أمثالها . فرسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عفا عن مشركي مكّة وهم قد شاركوا في إِراقة دماء المسلمين في بدر وأحد وغيرهما من المعارك ، وعفا عن مثل وحشي قاتل عمّه حمزة من غير أن يسترضي فيه بنت حمزة وورّاثه ، وعفا عن مالك بن عوف المسبّب لقتل كثير من المسلمين في هوازن . وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) عفا عن أصحاب الجمل وقد قال فيهم على ما في نهج البلاغة : " فقدموا على عاملي بها وخزّان بيت مال المسلمين وغيرهم من أهلها فقتلوا طائفة صبراً وطائفة غدراً . فواللّه لو لم يصيبوا من المسلمين إِلاّ رجلا واحداً معتمدين لقتله بلا جرم جرّه لحلّ لي قتل ذلك

--> 1 - الغرر والدرر 3 / 375 ، الحديث 4792 . 2 - الغرر والدرر 4 / 273 و 274 ، الحديث 6044 و 6045 .